فصل: باب: دخول مكة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: نهاية المطلب في دراية المذهب



.باب: دخول مكة:

قال الشافعي: "وأحب للمحرم أن يغتسل من ذي طِوى... إلى آخره "
2616- صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، اغتسل لدخول مكة، وثبت أنه اغتسل بذي طِوى، وأمر الناس بالغسل. وعنده أمر أسماء بالاغتسال، وكانت حائضاً.
ثم دخل مكة من ثَنِيَّة كَداء بفتح الكاف، وهي ثَنِيّةٌ في أعلى مكة، وخرج من ثنية كُديّ، بضم الكاف، وهي ثنيةٌ في أسفل مكة، وكان ذلك عامَ الوداع.
ثم دخل صلى الله عليه وسلم المسجد، من باب بني شيبة، وهو في جهة باب الكعبة، في زاوية المسجد، فقال الأصحاب: أما الدخول من باب بني شيبة، فمستحب، لكل قادم؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل منه، وتابعه أصحابه، ولم يكن ذلك البابُ على صوب المدينة، ونحوها، فعُلم من عدول رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه = قصدُه تخيّرَ ذلك الباب. ولعل السبب فيه أنه من جهة باب الكعبة والركن الأسود.
ثم قال الأئمة: الدخول من ثنية كَدَاء لا نرى فيه نُسكاً، وذكر الصيدلاني أنها على طريق المدينة، فيحمل الدخول منها على ترتيب الممر، وقد قال شيخي: يستحب الدخول من هذه الثنية، فإن كانت على ممر العادة، فذاك، والأحسنُ الميل إليها تأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: هذه الثَّنِيَّة ليست على طريق المدينة، بل هي على طريق المَعْلى، وهو في أعلى مكة، والمرور فيه يُفضي إلى باب بني شيبة، ورأس الرَّدْم، وطريق المدينة يفضي إلى باب إبراهيم، وهما متقابلان قريبان من التسامت في المقابلة. والحقُّ ما ذكره الشيخ.
ولكن الوجه عندي ألا نرى الدخول من هذه الثنية نسكاً؛ فإن الممر، والمسلك، قبل الانتهاء إلى المسجد، لا يتضح تعلُّقُ النسك به، ويمكن أن يحمل دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم منها، على غرضٍ، أو على سبب يتعلق بالعبادة، لم يعتن الرواة بنقله، والشاهد فيه توفر الدواعي على اختيار الدخول من باب بني شيبة من الحجيج كافة، ولا يتعرض لهذه الثنية أحد. فما قال شيخي في وضع الثنية صحيح، وقول الصيدلاني خطأ فيه، وما ذكره الإمام من تعلّق النّسك بالدخول من هذه الثنية لا أرى له وجهاً.
2617- ثم إذا دخل الرجل مكة من أعلاها، فأول ما يقع بصرُه على الكعبة من موضعٍ يقال له رأس الردم، فيؤثر أن يقف عنده، ويقول: "اللهم زد هذا البيت تشريفاً، وتعظيماً، وتكريماً ومهابة، وزد من شرفه، أو عظّمه، ممن حجه أو اعتمره، تشريفاً، وتعظيماً، وتكريماً وبِرّاً " هكذا الرواية.
والمزني ذكر مكان البر المهابة، والمهابة، في الحديث في ذكر البيت، لا في ذكر زائريه، فما ذكره المزني مأخوذٌ عليه. قال سعيد بنُ المسيب: "سمعت من عمرَ بن الخطاب رضي الله عنه كلمةً، يقولها لما رأى البيت، لم يسمعها غيري، وذلك أنه قال: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، فَحَيِّنا ربَّنا بالسلام".
ثم يدعوا بما عنّ له من مآرب الدّين والدنيا، في رضا الله تعالى، وأهمها سؤالُ المغفرة. ثم يدخل من باب بني شيبة، ويؤم البيت، والركن الأسود منه، ويبتدىء الطواف.
ونحن نرى أن نعقد فصلاً جامعاً، في الطوافِ، وشرائطِه، وسننِه، وما يتعلق به من آدابه.
فصل:
2618- الطواف بالبيت ركن، من الحج، والعمرة، والوجه أن نصفه على الجملة، ثم نفصّل القول في شرائطه، وما يقع منه موقع الركن، ثم نذكر طرفاً كافياً في آدابه.
فيدخل المحرم من باب بني شيبة كما ذكرنا، ويدنو من الحجر الأسود، وهذا الركن والباب، في صوب المشرق، فليعلمه من لم يره، فيتقدم إلى الَركن الأسود، ويستلمه، كما سنصفه-إن شاء الله تعالى- ويجعل البيت على يساره، فيمر بعد محاذاة الركن الأسود بالباب، ثم ينتهي إلى الحِجْر، وهو محوط على صورة نصف دائرة، فلا يتخطاه، ولا يدخله، ويحوط مستديراً عليه دائراً، حتى ينتهي إلى ركن الحجر الأسود، الذي منه بدأ، وهذا يسمى شوطاً واحداً. ثم يُتبع الشوطَ الشوطَ، حتى يستكمل سبعة أشواط للطواف.
2619- ثم للطواف شرائط، ونحن نصفها شرطاًً، شرطاً، فمنها: طهارةُ الحدث، فلا يصح الطواف، ولا يعتد به إذا كان الطائف محدثاً، خلافاً لأبي حنيفة، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله تعالى أباح فيه الكلام».
ثم كما نشترط الطهارةَ عن الحدث، نشترط طهارةَ البدن، والثياب. والمدارُ الذي يدور عليه في المطاف، فالطواف في الطهارتين يحل محل الصلاة، باتفاق الأصحاب.
والستر مشروط فيه حسب ما يشترط في الصلاة.
واستقبال القبلة عند التمكن شرطُ الصلاة، والقرب من البيت في الطواف على الهيئة التي سنوضحها يحل محل الاستقبال في الصلاة.
هذا قولينا في الشرائط
2620- وذكر الأئمة أحكاماً سمَّوها أركان الطواف، ولا معاب على من يسميها شرائطَ، ولكنها من حيث تعلقت بكيفياتٍ في الطواف، وقع التعبير عنها بأركان الطواف. ونحن نعدُّها فنقول:
مما يرعى في الطواف، والاعتداد به الترتيبُ، وهذا ينطوى على معنيين:
أحدهما: أن البيت يجب أن يكون على يسار الطائف، فلو أوقعه على يمينه في طوافه يسمى الطواف منكساً، ولا يُعتد به أصلاً. هذا أحد معنيي الترتيب. والمعنى الآخر- أن البداية تكون بالحجر الأسود، حتى لو وقعت البداية بمكانٍ آخر من البيت، لم يعتد بشيء مما جرى، حتى ينتهي الطائف إلى محاذاة الحجر الأسود، فذاك أول طوافه.
وهو كالمتوضئ يقدِّم غسل رجليه، فلا يعتد به، فإذا غسل وجهه، قيل: هذا أول وضوئه.
ومما يتعلق بهذا الفن أن يكون الطائف خارج البيت، ويكون تَدْوارُه وراء منقطع البيت من الأقطار.
2621- ولا نجد الآن بداً من كلامٍ وجيز في هيئة البيت، وما جرى من هدمه، وإعادته، حتى يتضح الحِجْرُ وأمرُه، وشاذروان الكعبة بين الركن اليماني، وركن الحَجَر، فإذا نحن وصفنا ذلك، بنينا عليه غرضَنا في أمر الطواف.
روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة: "لولا حِدْثانُ قومك بالشرك، لهدمت البيت، ولبنيتُه على قواعدِ إبراهيم، وألصقته بالأرض، وجعلت له بابين: باباً شرقياً، يدخل الناس فيه، وباباً غربياً، يخرج الناس منه. فقالت: وما دعاهم إلى إخراج بعض البيت إلى الحِجْر، فقال: قصّرت بهم النفقة. قالت: فلِمَ رفعوا الكعبةَ عن الأرض؟ قال: ليأذنوا لمن شاؤوا، ويمنعوا من شاءوا " وقوله صلى الله عليه وسلم: قصّرت بهم النفقة، ليس أن مالَ قريش، لم يتسع لبناء البيت، أو بخلوا به، ولكن كان للكعبة أموالٌ طيبة من النذور، والهدايا، فقالوا: لا ننفق على البيت من أموالنا، التي جرى فيها الربا، وإنما نُنْفق مالَ البيت، فقصّر ذلك المال.
وكان جرى هدمُ البيت، قبل المبعث بعشر سنين، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ ابنُ ثلاثين سنة، فلما بنَوْه، تنازع بنو عبد منافٍ، وبنو هاشم، وبنو المطلب، وبنو عبد شمس، وقال كل واحد: "نحن نضع الحجر في موضعه " فكاد شرٌّ يهيج، فتواضعوا على أن يرضَوْا بحكم أولِ من يدخل، من باب بني شيبة، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا في الجاهلية يسمونه محمداً الأمين. قالوا: محمدٌ الأمين!! أتاكم من لا يميل؛ فحكموه، فحكم بأن يَبْسط رداءه، ويوضَعُ الحجَرُ عليه، ثم يأخذ سيد كل رهط بطرف منه، حتى يحملوه إلى موضعه، فبسط رداءه، ووضع رسول الله صلى الله عليه وسلم الحَجَرَ بيده، فلما وصلوا إلى البيت، أخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوضعه موضعه بيده.
وكان بناؤهم البيت على الصورة التي هي عليها اليوم، وقبل ذلك كان لاصقاً بالأرض، ذا بابين شرقي وغربي.
فلما خرج ابن الزبير إلى مكة، هدمَ البيت، وبناه كما كان قديماً، فلما ظهر عليه الحجاج، وقتله، هدم البيت بالمنجنيق، وبناه هذه البِنْيَة التي هو اليوم عليها.
ثم لما ضافَ بهم النفقة أخرجوا من جانب الحِجْر ستةَ أذرع من عَرْصة البيت، وضيقوا عَرْض الجدار بين الركن اليماني والحَجَر الأسود، وأخرجوا من أساس الجدار على هيئةِ دُكّانٍ لا عرضَ له، وهو الذي يسمى الشَّاذرْوان وهو بيّنٌ للناظر، ولكنه لا أثر له عند الحَجَر، فلعله امّحق، أو رأوا رفعه لتهوين الاستلام، وتيسيره، وسمى المزني الشاذَرْوان تأزيز البيث، ومعناه التأسيس، ومنهم من قرأ تأزير البيت، تشبيهاً بالإزار.
2622- فإذا ثبت ما ذكرناه، عُدنا إلى غرضنا من ذلك في حكم الطواف: فليس للطائف أن يدخل الحِجر، ويتخطى الستةَ الأذرع المتصلة بالبيت، فإنه لو فعل ذلك، لكان والجاً في البيت، والطواف تردُّدٌ بعد تخليف البيت، وكذلك لو صعد إلى جدار الحِجْر-وحوله جدارٌ إلى حيال الصدر- ولو خلّف مقدار الستة الأذرع، واستظهر، ثم اقتحم الجدار وراء ذلك، وتخطى الحِجْر، على هذا السمت، اعتدّ بطوافه، وإن كان ما جاءبه مكروهاً.
ولو انتهى الطائف إلى موضع الشَّاذَرْوان، وأقر قدميه عليه، وألصق بدنَه بالجدار في هذه الجهة، فهو في البيت، ولا اعتداد بما يأتي به.
ولو كان يمر وراء الشَّاذَرْوان، وهو يمس الجدار بيده، في ممرّه، فقد اختلف أصحابنا في ذلك، فذهب الأكئرون إلى أنه لا يُعتد بهذا من الطواف؛ فإن الشرط أن يكون جميعُ بدنه منفصلاً عن البيت، وليس الأمر كذلك، فيما صورناه. وذكر بعضُ أصحابنا وجهاً آخر بعيداً، أنه يُعتد بمَمرّه، نظراً إلى جملته، ولا مبالاة بطرفٍ من عضوٍ يلج، أو يخرج، والتعويل في هذا الفن على التسمية المطلقة، وهو يسمى طائفاً بالبيت خارجاً منه.
والأصح الأول.
2623- ومما يدنو من ذلك، ويقرب منه، أنا ذكرنا أن ابتداء الطواف مستفتح من حيال الحجر الأسود، فإن حاذاه ببدنه في أول الطواف، صح، وإن حاذاه ببعض بدنه، فالأصح أن افتتاح الطوافِ باطلٌ، فإذا لم يصح الافتتاح، لم يصح الشوطُ كلُّه، جرياً على ما مهدناه، من اشتراط الترتيب وبيانه.
ومن أصحابنا من قال: يكفي محاذاة الحَجَر ببعض البدن، وخرّج هذا على خلافٍ في أن المصلي إذا وقف على ركنٍ من أركان البيت، وهو محاذي ببعض بدنه الركنَ، وبعضٌ منه خارجٌ عن مسامتة الكعبة، ففي صحة الصلاة إذا أقيمت كذلك وجهان.
والذي يتم به البيان: أن البدَن الذي أطلقناه إنما هو شِقّ الطائف من جهة يساره ولا نعني غيرَه، والمعنيّ بالمحاذاة أن يقع كلُّ هذا الشق، في محاذاة الحَجَر، حتى لو خلّف من الحجر-مثلاً- شيئاً، وهو إلى الباب ما هو، وحاذى بعضَ الحَجَر ببعضٍ من شقه، والبعضُ الآخر في محاذاة الكعبةِ والجزءِ المنحدر من الحَجَر إلى الباب، فهذا صورة الخلاف.
2624- وكان شيخي يتردد في أمرٍ نَصِفُه، فيقول: إذا حاذى من يبتدئ الطوافَ بشقه الحَجَر، ولكنه خلف شيئاً منه، في جهة الركن اليماني، فترك بعضاً منه مثلاً أمامه، وحاذى بشقه وسطه، فكان يقول: يحتمل أن نُصحح افتتاحَ طوافه؛ فإنه حاذى بتمام شقه الحجرَ، ويُحتمل أن نقول: ينبغي أن يحاذي في أولِ الطواف تمامَ الحَجَر بتمام الشِّق، وذلك بأن يبتدئ من أول الحَجر فيما يلي الركنَ اليمانيَّ، ويمر عليه على المسامتة.
والأمر كما قال محتمل.
2625- ثم إذا تخطّى الحَجَر، أو خَطَا على الشاذَرْوان، وقلنا: لا يعتد بممره، فإذا استوى بعد ذلك، فكل ما يأتي به غيرُ محسوب، حتى ينتهي إلى مثل ذلك المكان، الذي تعدى منه، وحاد عما رسمناه له.
فعلى هذا إذا انتهى من ركن الحجَر، إلى الركن العراقي فمال إلى الحِجْر، ودخله من فتحةٍ تلي الركنَ، وخرقه إلى الفتحة الأخرى التي تلي الركن الشامي، فحركاته على هذا الصنع، غيرُ محسوبة، وإذا تقدّمَها، فتدواره إلى الركن اليماني، ثم إلى الركن الأسود، ثم إلى مكانه من الركن العراقي، كل ذلك غير محسوب؛ وفاءً بالترتيب المكاني.
فهذا تمام ما أردناه فيما يُعدّ من الأركان.
2626- وكان شيخنا يقول: لو استقبل القبلة بصدره، وكان يستدير على الجهة المرسومة، عرضاً، فالقفال كان يتردد فيه: ربما كان يقول: لا يحسب له طواف؛ فإن المطلوب منه أن يولّي الكعبةَ شقّه الأيسر. وربما كان يقول: إذا دار على الصَّوْب مقابلةً، أو مدابرةً، أو على شق، حُسب طوافه، وكره.
والأصح عندنا الأوّل؛ فإن المصلي لما أمر بأن يولي القبلةَ وجهه، وصدرَه، فلو أولاها شقه، لم يعتد بصلاته، ولا وجه لغير هذا عندي.
2627- ومما يتعلق بهذه الفنون- القول في الموالاة: ووضع الأشواط في الشرع على التوالي، فلو فرقها الطائفُ، ففي بطلان الطواف قولان، مبنيان على القول في الطهارة. وربما كان شيخي يجعل الطواف أولى بالموالاة، وليس يتبين فرقٌ به مبالاة. والتفريق اليسير غير ضائر.
وفي التفريق بالعذر طريقان: من أصحابنا من قطع بأنه لا يضر، ومنهم من جعل المسألة على قولين، وقد ذكرتُ حقيقةَ القول في هذا في كتاب الطهارة. والذي يُرجَع إليه في التفريق اليسير والكثير، ما يغلب على الظن في الإضراب عن الطواف، وترك الإضراب عنه، فكل زمان يشعر تخلله بظنٍّ في ترك الطائف طوافَه، أو إنهائه نهايته، فهو المعتبر في التفريق، ولا مبالاة بما دونه.
2628- والطائف في أثناء الطواف إذا سبقه الحدث، فأمره مرتَّبٌ عند الأئمة على سَبْق الحدث في الصلاة، فإن قلنا: سَبْق الحدث فيها لا يبطلها، فالطَّواف بذلك أولى. وإن قلنا: سبق الحدث يُبطل الصلاة، ففي الطواف قولان. والفارق أن الصلاة في حكم الخَصلة الواحدة، لا يتخللها الكلامُ والأفعالُ الكثيرة، بخلاف الطواف.
وإذا قلنا: ببطلان الطواف، تطهّر الطائف، وابتدأ الطواف من أوله.
وإن قلنا: سَبْق الحدث لا ينقضه؛ فإنه يخرج، ويتطهر، ويعود، ويبني كدأبه في الصلاة.
وهذا النوع من التفريق-ونحن نفرع على القول الذي انتهينا إليه- غيرُ معتبر، وإن قلنا في تفريق المعذور قولان، فإنا نسلك في سبق الحدث مسلك البناء على الصلاة، وتفصيل القول في سبق الحدث في الصلاة متلقى من الخبر.
ولو تعمد الطائف الحدث، فإن قلنا: سبقُه ينقضُ الطوافَ، فعمده أولى. وإن قلنا: سبقه لا يبطل الطوافَ، ففي عمده وجهان:
أحدهما: أنه يُبطل الطواف، كما يُبطل الصلاة؛ فإنهما مستويان في الافتقار إلى الطهارة.
والثاني: أنا لا نقطع القولَ ببطلان ما سبق، بناءً على أن التفريقَ لا يبطل الطوافَ، والطوافُ يتخلله ما ليس منه، فلا يعتد بالمقدار الذي كان محدثاً فيه، ويجعله كأن لم يكن، فيعود البناء إلى التفريق.
ثم إن طال الزمان، فهو تفريقٌ، وإن قصر الزمان، فوجهان:
أحدهما: أن الزمان القصير مع الحدث، كالزمان الطويل من غير حدث، فهذا يضاهي تخلُّلَ الرّدة في أثناء الطهارة، مع قصر الزمان؛ فإن من أصحابنا من ألحق ذلك بالتفريق الطويل، ومنهم من قطع رباط الطهارة بها، ومنهم من ألحقها بالتفريق اليسير.
فهذا منتهى القول، فيما يجري من الطواف مجرى الأركان.
2629- ثم المطاف بيّن، ولو بعُد الطائف من المطاف المعتاد، اعتد بطوافه، ما دام في المسجد، حتى لو كان مداره في أخريات الأروقة، أو على مكانها من السطوح، فالطواف صحيحٌ.
فأما إذا خرج من المسجد، فلا. ولو وُسّعت خِطةُ المسجد، اتسع المطاف، والأمر كذلك في المسجد الحرام، بالإضافة إلى ما كان في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن العباسيةَ وسّعوا خِطته، وقيل: كثر الحجيج عامَ حجَّ الرشيدُ، حتى امتلأت الأروقة، بالطائفين ورقُوا إلى السطوح، وانتهَوْا إلى الجدران.
وقد نجز القول فيما لابد من مراعاته في الطواف.
2635- فأما ما يتعلق بالسنن والهيئات، فإذا افتتح الطائفُ الطوافَ من الحَجَر، كما رسمناه، فيما لابد منه، فيستحب له الاستلام، وهو من السَّلام، أو السِّلام، وهو الحجر، فإن زُحِم، ولم يتمكن من تقبيله مسَّه بيده، ثم قَبّل يده، فإن لم يمكنه، أشار بيده.
ولا يستلم الركنَ اليماني، ولكن يمسه، تيمناً، وتبركاً، وقيل: إنه على قواعد إبراهيم. لم يغيره ما لحق البيتَ، من الهدم والبناء، ثم ذكر الأصحاب وجهين في كيفية ذلك:
أحدهما: أن يُقبل المحرمُ يده، ويمَس الركن كالذي ينقل خدمة إليه
والثاني: أن يمس الركنَ، ثم يقبل يده، كالذي ينقل تيمناً إلى نفسه، وينقدح هذان الوجهان في الحجر، في حق المزحوم عن الاستلام، ولست أرى هذا اختلافاً، وإنما هو في حكم تخير.
ولما انتهى عمر إلى الحجر، قال: أما إني أعلم أنك حَجَرٌ، لا تضر، ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك، ما قبلتك"، فقام أبيّ ابن كعب، فقال: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الحجر الأسود يأتي يوم القيامة، وله لسان ذَلِقُ، يشهد لمن قبّله".
2631- وطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبيت راكباً، وكان يشير إلى الحجر بمِحجنٍ في يده، وهذا الحديث يدلّ على أن الطوافَ من الراكب مجزيء، ولا نقصان فيه؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يؤثر لنفسه الأفضلَ، سيّما عامَ الوداع.
وفي القلب من إدخال البهيمةِ المسجدَ، ولا يؤمن تلويثُها شيء، فإن أمكن الاستيثاق من هذه الجهة، فذاك، وإن لم يمكن، فإدخال البهائم المسجد مكروه.
2632- ثم إذا دنا من الحَجَر، قال: في ابتداء الطواف: «بسم الله، والله أكبر، اللهم إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك ووفاء بعهدك، واتباعاً لسنة نبيك، عليه السلام» وقد روي ذلك مرفوعاً. وكان شيخي يذكر دعواتٍ في تَرْدَاد الطواف، ويخص كلّ موضعٍ بدعوة، ولم أرَ لها ذكراً، فلم أوردها، وعندي أن الأذكار فوضى بعد ابتداء الطواف.
2633- ومن الهيئات الرمَل، فنؤثر للطائف الرملان في ثلاثة أشواط، من أول الطواف، ونؤثر له السكينة، والمشي على الهِيْنَة في أربعة أشواط، وهي الأشواط الأخيرة، وقال بعض أئمتنا: الرمل فوق سجية المشي، ودون العدْو.
وقال الشيخ أبو بكر: هو شِرعةٌ في المشي، دون الخبب.
وهذا عندي زلل؛ فإن الرمل في فعل الناس كافة ضربٌ من الخبب، يسير إلى قفزان. والرملانُ هذا معناه في اللسان، وكل ما تضطرب الحركات فيه، فمصدره الفَعَلان في غالب الأمر، كالقَفَزان، والنَزَوَان، والضَّرَبان، وعَسَلان الرُّمح.
والمشيُ السريع ليس من الرملان في شيء.
ثم يتَّسع القول الآن في الرملان، فأول ما نذكره التفصيل في الطواف الذي يشرع الرمل فيه: لا شك أنه لا يشرع في كل طواف، واختلف القول في الطواف الذي يُشرع الرمل فيه فأحد القولين أنه يختص بطواف القدوم؛ فإنه أول العهد بالبيت، فيليق به نشطةٌ واهتزازٌ، والقول الثاني- أنه مشروع في الطواف الذي يستعقب سعياً؛ من جهة أنه يشير إلى تواصل الحركات، وإلى السعي بين الجبلين، ثم القادم قد يسعى على أثر طواف القدوم، وقد يؤخر السعي حتي يأتي به على أثر طواف الزيارة بعد الوقوف، فإن كان يسعى بعد طواف القدوم، فإنه يرمل في الطواف قولاً واحداً، لاجتماع المعنيين. وإن كان يؤخر السعي إلى بعد طواف الإفاضة، فيجري القولان: فمن راعى القدوم، شرع الرمل في الطواف الأوّل، ومن راعى استعقاب السعي شرعه في طواف الزيارة.
ثم قال أئمة العراق: لا يجتمع الرمل في الطوافين على كل طريق، والأمر على ما قالوه؛ فإن أحداً لم يعلق الرمل بالمعنيين جميعاً.
ويخرج على ما ذكرناه الرمل في طواف العمرة. قال الأئمة: ليس طواف المعتمر طوافَ قدوم؛ فإنه يقع ركناً، وهذا يوُهي ما أشرنا إليه من ابتداء العهد بالبيت، وكان يمكن أن يقال: فيه معنى القدوم. فإن قلنا: الطواف الذي يستعقب السعي يشرع الرمل فيه، شرع الرمل في طواف المعتمر.
هذا تفصيل القول في الطواف الذي يشرع الرمل فيه.
2634- ومما يتعلق بذلك الكلامُ في مكان الرمل: فالأصح أن الطائف في أشواط الرمل، يرمُل في جميع تدواره على أركان البيت.
وذكر الأصحاب قولاً آخر: إنه يترك الرمل بين الركن اليماني والحجر الأسود، واستدل هؤلاء بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الأصل في إثبات الرمل، وذلك أنه كان واعدَ أهل مكة عامَ الصدِّ، أن يعود لقضاء عمرته في قابل، فعاد، وكان شرط على الكفار أن ينجلوا عن بطحاء مكة، ويلوذوا بقُلل الجبال، فوفَوْا ورقُوا إلى قُعَيْقِعان، وهو جبل في جهة الحِجْر والميزاب، وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نَهَكَتْهم حمى يثرب، فرأى الكفار ذلك منهم؛ فهمّوا بالغدر، فنزل جبريل، وأعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، بما أضمروه، فاضطبع رسول الله صلى الله عليه وسلم، واضطبعوا، ورمل، ورملوا، فقال الكفار: إن هؤلاء كالغزلان، وكان ذلك سببا في رد كيدهم.
فهذا أصل الرمل، ثم في بعض الروايات: أنه صلى الله عليه وسلم وأصحابَه رضي الله عنهم، كانوا إذا انتهوا إلى ما بين الركنين اليماني والحَجَر اتّأدوا؛ فإن الكعبة كانت تحول بينهم وبين الكفار. فقال هذا القائل: الرسول صلى الله عليه وسلم هو الأسوة في الرمل، وُيتْرَكُ الرمل حيث كان يتركه، وهو أقوى، لو تجرد نقلُه، وقد نُقل: أنه كان يرمل من الحَجَر إلى الحَجَر، ولا يبعد أنهم كانوا يسكنون قليلاً، من غير مفارقة سجية الرمل.
وروي أن عمر قال: "فيم الرمل، والتكشف، وقد أطّأ الله الإسلام، ونفى الشرك وأهله، ألا إني لا أحب أن أدع شيئاً، كنا نفعله على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم " فإن قيل: لم دام الرمَل مع ظهور سببه أولاً، وزواله آخراً؟ قلنا: ما لا يُعقل معناه على التثبت لا يحكّم المعنى فيه.
وقد قيل: إن سبب السعي ما كان من هاجَر أمّ إسماعيل، وابنه، كما سنصفه، ثم أُثبت ركناً في الدين.
وقيل: استعصى الذبح على إبراهيم فذلَّلهُ الله بالأحجار على الجمرات، فصار ذلك شعاراً متبعاً، ومبنى الشرع على التيمّن والتأسي بشعار الصالحين، من غير تتبع المعاني.
2635- ومِما يتعلق بالرمل: أنا نؤثر الجمعَ بين الدنوّ من الكعبة وبين الرمل، ولا ننظر إلى كثرة الخُطى فيمن يبعد من الكعبة، وهذا متفق عليه.
فإن عسر الرمل في زحمة الناس، في القرب، ولو بَعُدَ إلى الحاشية، لا ستمكن من الرمل، فالرمل في البعد أولى، فإن القرب لا يبلغ مبلغ شعار مستقل.
نعم لو كان يقع في صف النساء، فتركُ الرمل أجدر به؛ فإن الأمر يعظُم في هذا، وينسب الرجل إلى ترك شعارٍ في الدّين كلِّي، ولا يقع منه الشعار الجزئي موقعاً.
2636- ولو ترك الرمل في الأشواط الأُوَل، فأراد أن يتدارك في الأشواط الباقية، لم يكن له ذلك؛ فإن سجّية المشي في الأشواط الأربعة مسنونة، كالرمل في الأشواط الثلاثة، فلو تدارك الرمل، لكان تاركاً سنةً ناجزة، في تدارك شعارٍ فائت، وليس هذا كإعادة سورة الجمعة في الركعة الثانية على ما سبق ذكرها في الصلاة؛ فإن الجمع بين الجمعة، وسورة المنافقين ممكن، والجمع بين الرمل وسجية المشي غير ممكن.
قال الشافعي: لو زُحم من لم يتمكن من الرمل أصلاً، فحسنٌ لو أتى بمحاولة الرمل متشبهاً بالرامل، وهذا أصل ستأتي أمثلتُه في أمرنا مَنْ لا شعر على رأسه بالحلق متشبهاً بالحالق، إلى غير ذلك.
2637- ومن الشعار المرعي الاضطباع: وهو أن يجعل وسط الرداء تحت إبطه الأيمن، ويعري كتفه الأيمن منه، ويجمع طرفيه على عاتقه الأيسر، كدأب ذوي الشطارة. هكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم لا اضطباع في طوافٍ، لا رمل فيه، ولا يكلف المضطبع أن يغير زيّ الاضطباع إذا ترك الرمل في الأشواط الأربعة. وإلى متى يستديمه؟ ذكر الشافعي لفظةً، واختلف الأصحاب في قراءتها. قال: "ويديم الاضطباع حتى يكمل سعيه " منهم من قرأ كذلك وزاد في الخط ياء بعد العين، و منهم من رأى أنه سبعة، فإذا قلنا: حتى يكمل سبعة، معناه حتى يكمل الأشواط السبعة، وإذا قلنا: حتى يكمل سعيَه معناه استدامة الاضطباع حتى يكمل سعيه بعد الطواف.
فهذا فيما أظن حاوٍ لشعار الطواف، وما يتعلق بالركن منه، وما يتعلق بالسنة والهيئة.
2638- وذكر الشيخُ أبو بكر من جملة ما كنا نحفظه من الأذكار بعد الذكر الذي قدمناه في ابتداء الطواف، أنه كلما حاذى الحجر الأسود كبّر، وقال في رمله: "اللهم اجعله حجاً مبروراً، وذنباً مغفوراً، وسعياً مشكوراً " وقيد هذا الذكر بالرمل عن قصد، وقرنه باستحباب ذكر في حالة السعي، فإنا نؤثر للساعي أن يقول: "اللهم اغفر وارحم، واعف عما تعلم، إنك أنت الأعز الأكرم، اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار " والأمر في ذلك قريب.
ثم كل ما ألحقناه بالهيئآت، فلو تركه الطائف عامداً، اعتدّ بطوافه، ولم يلزمه فدية، وسنجمع بعد هذا قولاً ضابطاً فيما يوجب الفدية قطعاً، وفيما يختلف فيه.
فصل:
قال: "إذا فرغ صلى ركعتين، خلف المقام... إلى آخره".
2639- الطائف إذا فرغ من أشواط طوافه أمرناه، بأن يصلي ركعتين، فإذا كان الطواف مفروضاً، فللشافعي قولان في وجوب ركعتي الطواف:
أحدهما: أنهما لا تجبان، لحديث الأعرابي؛ إذ قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذكر الخَمْس: "هل عليّ غيرها "؟ قال: لا".
والقول الثاني- أنهما تجبان وجوبَ الأشواط، وقد يستدل الشافعي على وجوب الشيء بإطباق الناس على العمل، وما يكون مُتطوَّعاً به فالعادة تقتضي تردُّدَ الناس في الإتيان به، ثم إن كان الطواف فرضاً، فالقول مختلف كما ذكرناه، وإن لم يكن فرضاًً، فالأصح أنه لا يستحق على أثره ركعتا الطواف.
ونقل الأصحاب عن ابن الحداد: أنه أوجب ركعتي الطواف على أثر نجاز الأشواط، وهذا بعيدٌ، ردّه أئمة المذهب.
ثم ما أُراه يصيرُ إلى إيجابهما على التحقيق، ولكنه رأى ركعتي الطواف جزءاً من الطواف، ولم ير الحكم بالاعتداد بالطواف المقطوع به دونهما، وقد قال في توجيه ما رآه: لا يبعد أن يشترط في النفل ما يشترط، في الفرض، كالطهارة، وغيرها، وكالركوع، والسجود، من قبيل الأركان.
2640- وقد تحقق من معاني كلام الأصحاب الاختلافُ في أن ركعتي الطواف معدودتان من الطواف، أو لهما حكم الانفصال عنه.
ومن آثار الاختلاف في ذلك أنا إذا حكمنا بوجوب ركعتي الطواف الواجب، فلو أراد المتيمم أن يجمع بتيممه بين الطواف وبين الركعتين؟ في جواز ذلك وجهان مبنيان على ما ذكرناه: فمن عد الركعتين من الطواف أحلهما محل شوط، وجوّز الجمع.
ومن فصلهما عن الطواف، لم يجوّز الجمعَ بين الطواف، وبينهما بتيمم واحد.
فمأخذ كلام ابن الحداد هذا، ولا ينقدح غيرُه.
ثم لا يمتنع انفصال ركعتي الطواف عنه بزمانٍ متطاول، وهذا يوضّح انفرادهما عن الطواف، ولا يتعين لإقامتهما المسجدُ والحَرَمُ، وصرح الأئمة بأنهما لو أقيمتا بعد الرجوع إلى الوطن، وتخلل مدة، وقعتا الموقع، ولا ينتهيان إلى القضاء، والفوات. وسنذكر أن ما يجب في الحج ولا يكون ركناً؛ فإنه مجبور بالدم، ولم يتعرض الأئمة لجبران ركعتي الطواف، وإن اختلف القول في وجوبهما، والسبب فيه أنهما لا تفوتان، والجبران إنما يثبت عند تقدير الفوات، ثم إن قُدِّر فواتهما بالموت، فلا يمتنع وجوب جبرانهما بالدم، قياساً على سائر المجبورات.
2641- ومما يتعين التنبه له أنا وإن حكمنا بوجوب الركعتين، وفرعنا على أنهما معدودتان من الطواف، فلا ينتهي الأمر إلى تنزيلهما منزلة شوط من أشواطه؛ فإن تقدير ذلك يتضمن القضاء بكونهما من الركن، في الطواف الواقع ركناً، ولم يصر إلى هذا صائر، وبهذا يضعف عدهما من الطواف.
2642- ومما يذكر بدعاً غريباً في أحكام الصلاة تطرق النيابة إلى ركعتي الطواف، من جهة المستأجَر على النسك، وليس في الشرع صلاةٌ تجري النيابةُ فيها غيرُ هذه.
ثم إن حكمنا بوجوب الركعتين، لم تقم صلاة أخرى مقامهما، وإن قضينا بأنهما لا تجبان، فقد قال الصيدلاني: لو صلى الفارغ من الطواف فريضةَ الوقت، أو قضى فائتةً، وقع الاكتفاءُ بما جاء به، اعتباراً بتحية المسجد. وهذا مما انفرد به.
والأصحاب على مخالفته، فإن الطواف يقتضي صلاة مخصوصة، والمسجد حقُّه ألا يجلس الداخل فيه حتى يصلي.